دواء موجود منذ 22 عاماً يعالج السكتات الدماغية لكن الأطباء يمنعونه عن المرضى!.. فما سره؟

stroke-900x400.jpg

اكتشف أطباء دواء قد يغيِّر مسار الطب في العالم، خاصة للمرضى الذين يصابون بالسكتات الدماغية، فقد ينقذ أرواحهم، أو على الأقل لن يصابوا بشلل كامل، ولكن المفاجأة أن هذا العلاج أُجريت عليه التجارب قبل 20 عاماً، ونصح الأطباء بالابتعاد عنه؛ لأنه قد يميت في الحال.

ولسنوات، حاول الأطباء دون جدوى، البحث عن علاج يحافظ على أدمغة المرضى المصابين بسكتاتٍ دماغية. وبدا أنَّ هذه مهمةٌ مستحيلة: فبمجرد انسداد أحد الأوردة التي تغذي المخ بفعل جلطةٍ ما، تبدأ خلايا المخ سريعاً في الموت، ولا يصبح بوسع المرضى وعائلاتهم سوى الدعاء بأن يكون الضرر بالمخ بسيطاً.

لكنَّ تجربةً قام بها الطبيب كريستوفر ليفاندوفسكي في الولايات المتحدة الأميركية، أثبتت أنَّ دواءً جديداً يعالح الجلطات -يُدعَى tissue plasminogen activator- يمكن أن يمنع تضرر المخ بعد الإصابة بسكتةٍ دماغية، وذلك عن طريق فتح الوريد المسدود، بحسب تقرير لصحيفةThe New York Times الأميركية.

وقال في مكتشف العلاج: “رأينا أنَّ البيانات قوية بما يكفي، لدرجة أنَّنا لا نحتاج لشرح الأمر”.

لكنَّه كان مخطئاً. فرغم أنَّ هذه التجربة الرائدة أُجرِيَت منذ 22 عاماً، ما زال ليفاندوفسكي وآخرون يحاولون شرح البيانات لمجموعةٍ قوية من المشككين.

ويُعلِّم هؤلاء المشككون الطلاب أنَّ الدواء خطير ويسبب نزفاً في المخ، وأنَّ الدراسات التي أثبتت فائدته كانت معيبةً بشدة، ويقولون إنَّه من الأفضل ترك السكتة الدماغية تأخذ مسارها.

هذا الرأي له عواقبه في الواقع. فنحو 700 ألف مريض يصابون بالسكتات الدماغية كل عام نتيجة لتكوّن جلطات، ومن الممكن أن يساعدهم هذا الدواء، إلا أنَّ نحو 30% من ضحايا السكتات الدماغية الذين يصلون إلى المستشفيات في الوقت المناسب ويكونون مرشحين مثاليين لاستخدام ذلك الدواء- لا يحصلون عليه.

والنتيجة، هي الإصابة بالشلل وضعف العضلات، أو مشاكل الإدراك أو الكلام أو الرؤية، أو الاختلال العاطفي والسلوكي، وغيرها من المشاكل العصبية الدائمة.

العلاج خلال 3 ساعات فقط

توصي إرشادات علاج السكتات الدماغية التي أصدرتها جمعية القلب الأميركية والجمعية الأميركية للسكتات الدماغية بقوة بهذا الدواء لعلاج المرضى بعد تقييمهم بشكلٍ صحيح. لكنَّ العلاج يجب أن يبدأ خلال 3 ساعات (وفي بعض الحالات 4 ساعات ونصف) من الإصابة بالسكتة الدماغية، وكلما كان الوقت أقرب كان ذلك أفضل، بحسب الصحيفة الأميركية.

ويُوصي عددٌ من الجمعيات الطبية كذلك بالدواء كحلٍ فعال للغاية في تقليل نسبة العجز. يمكن للدواء بالفعل أن يتسبب في حدوث نزفٍ دماغي أو يفاقمه، وهو خطرٌ حقيقي، لكن في معظم السكتات الدماغية يمنع ذلك الدواء حدوث إصاباتٍ بالمخ، وانخفضت عموماً معدلات النزيف الدماغي مع اكتساب الأطباء المزيد من الخبرة عبر السنوات.

وقال غريغ فونارو، المتخصص بأمراض القلب في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، إنَّه دون العلاج “ينتهي الأمر بالكثير من المرضى مصابين بالعجز. وأطباء الأعصاب الذين يعملون على رعاية المصابين بأمراضٍ مزمنة نتيجة السكتات الدماغية، يرون النتائج المدمرة لذلك. لسببٍ ما، لا يأخذ أطباء الطوارئ هذا الأمر بعين الاعتبار”، بحسب تقرير الصحيفة الأميركية.

ويقول الطبيب إدوارد جوش، أستاذ علم الأعصاب في الجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية، إنَّه بينما هناك عددٌ قليل ممن يشككون في فاعلية الدواء علناً، فإنَّه من السهل بالنسبة لهم نشر رسائلهم على الشبكات الاجتماعية.

وأضاف: “نقل المعلومات والآراء الآن للجيل الأصغر من الأطباء بدأ يعتمد أكثر على الإنترنت والشبكات الاجتماعية، وليس الدوريات الخاضعة لتقييم الباحثين والجمعيات العلمية والمناظرات الحية”.

وقال الطبيب تشارلز ويرا الثالث، أستاذ طب الطوارئ بجامعة ييل، إنَّه عندما يتحدث للأطباء المقيمين عن هذا الدواء، يبدأون في الاستشهاد بمدوناتٍ مكتوبة ومسموعة “كحكمٍ مقدس عن ضرر هذا الدواء. لم يقرأ هؤلاء المقالات أو إرشادات العلاج”.

وأضاف جوش أنَّ التشكيك في الدواء انتشر حول العالم، وأصبح يتوقع مقابلة رافضيه أينما ذهب. ويحكي أنَّ طبيباً سعودياً قال له في أثناء تناول الغداء بالسعودية، حيثُ كان يُلقي محاضرةً في مؤتمرٍ ما، إنَّه ببساطة غير مقتنع بهذا الدواء.

أحد قادة مجتمع المشككين هذا، هو الطبيب جيروم هوفمان، المتخصص في طب الطوارئ والأستاذ الفخري بجامعة كاليفورنيا. يعتقد هوفمان أنَّه بينما جاءت التجربتان الأولى والثانية للدواء إيجابيتين، فإنَّهما كانتا معيبتين.

11 دراسة فشلت من قبل

راجع هوفمان البيانات الأولية للدراسة الفيدرالية، واستنتج أنَّ العدد الأكبر من المرضى الذين تلقوا الدواء، كانوا مصابين بأخف أنواع السكتات الدماغية، وعدداً قليلاً فقط كانوا مصابين بالنوع الأكثر حدة، وأضاف أنَّ العلاج ومجموعة التجربة كانا مختلفين، أي إنَّ من حصلوا على الدواء كانت إصاباتهم بسيطةً من البداية. واعترض الخبراء على تحليل هوفمان، بحسب الصحيفة الأميركية.

ويزعم هوفمان كذلك أنَّ 11 دراسة أخرى فشلت في إثبات وجود فائدة للمرض. لكنَّ المؤيدينلفاعليته يشيرون إلى أنَّ هذه الدراسات أُجريت بهدف دراسة ما إن كان الدواء يمكن أن يساعد المرضى المصابين بسكتاتٍ دماغية أكثر حدة، أو هؤلاء الذين تجاوزوا الوقت الموصى به لتلقى العلاج. ويضيفون أنَّ فشل هذه الجهود لا يعني أنَّ الدواء لا يمكنه مساعدة المرضى الذين تشبه حالاتهم من شاركوا في التجارب السريرية الأولى.

قدَّم هوفمان بشخصيته الجذابة وحضوره اللافت دوراتٍ تدريبية في جميع أنحاء البلاد، وباع أشرطةً مسجلة يشرح فيها نظريته، وانتشر رأيه.

وقال في مقابلةٍ إنَّه تحدث في جامعة كاليفورنيا إلى مرضى مصابين بسكتاتٍ دماغية وعائلاتهم، حتى بينما كانت الفرق الطبية تصطحب المرضى إلى داخل غرف الطوارئ. وأخبر المرضى بأنَّه بينما سيُوصي الفريق الطبي باستخدام الدواء بشدة، فهناك خلافٌ في الواقع حول فائدته للمرضى على المدى الطويل.

وأخبرهم بأنَّه إضافةً إلى ذلك، لم تستنتج دراسةٌ ما أنَّ هذا الدواء يمكن أن ينقذ حياة المريض، وأنَّه يمكن أن يسبب نزفاً دماغياً لعددٍ قليل من المرضى.

ويقول عن ذلك: “من خلال تجربتي، لم يختر أي مريض تقريباً تلقي الدواء بعدما سمع روايةً محايدة ثم أخرى إيجابية عن فاعليته”.

وأضاف هوفمان أنَّه ناظر متخصصين مشاهير في علم الأعصاب حول فوائد الدواء في عدة اجتماعات، وبعدها كان الجمهور يصوت بأغلبية ساحقة ضد الدواء. وعلق على ذلك، قائلاً: “هذه ليست شهادة على مهاراتي في النقاش والجدال، لكنَّها تعكس كيف يتصرف الناس حين يرون الأدلة الحقيقية”، بحسب الصحيفة الأميركية.

وفي مركز سييرا فيستا الإقليمي الطبي في مقاطعة سان لويس أوبيسبو بكاليفورنيا، يقول طبيب الطوارئ سكوت بيشيف للمرضى، إنَّ هناك شكاً كبيراً فيما إن كان الدواء مفيداً أو ضاراً. وإن سبَّب نزفاً في مخ المريض، فقد تكون العواقب وخيمة.

وأضاف أنَّ نحو نصف مرضى السكتات الدماغية يرفضون تلقي الدواء.

السيناريو الأسوأ

وبحسب الصحيفة الأميركية، فبالنسبة لأطباء الأعصاب، السيناريو الأسوأ هو عدم عرض الدواء على المريض من الأصل. ويقول ويرا إنَّ المرضى يُنقلون لجامعة ييل أحياناً من مستشفياتٍ محلية غير متخصصة لا يتلقون فيها الدواء. وعادةً يكون الأوان قد فات للمحاولة.

ويضيف أنَّه وبقية الطاقم الطبي لا يخبرون عائلة المريض شيئاً عن تلك الفرصة الضائعة: “نحاول ألَّا نثير أموراً ربما تؤدي إلى دعاوى قضائية”.

لكن، أحياناً يعلم أهل المريض بما جرى رغماً عنهم. وهذا ما حدث مع ليفاندوفسكي.

فمنذ نحو 10 سنوات، كان ليفاندوفسكي في عمله حين تلقى اتصالاً يفيد بأنَّ والده أُصيبَ بسكتةٍ دماغية، وشُلَّ جانبه الأيمن. نُقِلَ والده إلى المشفى خلال 45 دقيقة من إصابته، أي داخل المدة الزمنية الموصى بها لتلقي العلاج.

قال ليفاندوفسكي لأمه أن تُخبر الطبيب بطلباتهم بوضوح، وإنَّهم يريدون من طبيب الطوارئ أن يُعالَج والده بذلك الدواء. لكنَّ الطبيب رفض الامتثال لطلبهم.

ويقول ليفاندوفسكي عن ذلك: “قال لأمي إنَّه ليس مقتنعاً بالدواء، وإنَّه لن يمنحه لأبي. ولم تصنع هويتي فارقاً بالنسبة له”.

وأضاف: “ركبتُ سيارتي، وقدتُ 400 ميلٍ للمشفى”، لكن حين وصل كان الوقت قد تأخر، ولم تعد النافذة الزمنية لتلقي الدواء متاحة، بحسب الصحيفة الأميركية.

أُصيبَ والده بتدلٍّ في الوجه ومشاكل في الكلام. ولم يعد يمكنه استخدام ذراعه اليمنى، ولا رجله اليمنى. كان مصاباً بسكتةٍ دماغية حادة من الدرجة السابعة سببت له عجزاً متوسطاً، لكنَّه بقي على قيد الحياة عدة أعوام.

وتابع ليفاندوفسكي: “كان الأمر صعباً للغاية على المستوى الشخصي. قضيتُ فترة طويلة من حياتي المهنية أعمل على هذا العلاج، ونجح في النهاية. شعرتُ بأنَّني خذلتُ أبي”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s