هل من الممكن أن ننسى لغتنا الأم؟ نعم يمكن، والأسباب معقدة!

iStock-838190042-900x400.jpg

«بينما أنا جالسة في مطبخي في لندن، في محاولة لقراءة رسالة نصية تلقَّيتها من أخي الذي يعيش في بلدنا الأصلي ألمانيا. فيما بيننا نتحدث الألمانية، وهي لغة غنية بالكلمات الغريبة، على الرغم من ذلك، استوقفتني كلمة لم أسمع بها من قبل: fremdschämen. سألت نفسي، هل تعني «غريب أم محرج؟» (fremd أي غريب، و schämen أي محرج). في الواقع شعرت بالكبر الذي يمنعني من السؤال عن معنى تلك الكلمة، من المؤلم قليلاً أن سنوات الغربة تجعل لغتك الأم غريبة بالنسبة إليك».

تقول مونيكا شميد، عالمة اللغويات في جامعة إسكس الإنكليزية، لموقع موقعBBC Mundo الإسباني.

ويعرف معظم المهاجرين الذين عاشوا بالخارج لفترة طويلة أنه من النادر أن تتحدث بلغتك الأم.

ربما يبدو الأمر أنه كلما طالت سنوات الغربة واجهت صعوبات مع لغتك الأصلية، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، حسب تقرير الموقع الإسباني.

الطريقة والكيفية التي نفقد بها لغتنا أكثر تعقيداً مما نظن؛ إذ إن عامل الوقت الذي نبتعد فيه عن الوطن غير مهم، ففي بعض الأحيان يكون الاختلاط مع متحدثي لغتك الأم بالخارج هو ما يمكن أن يضعف قدراتك اللغوية، هناك أيضاً العوامل العاطفية، مثل الصدمة التي يمر بها البعض. في الواقع قد تكون أهم عامل على الإطلاق.

فقدان اللغة

المهاجرون لفترات طويلة ليسوا وحدهم المتأثرين بذلك، فهذا ينطبق إلى حد ما على أي شخص يختار التحدث بلغة ثانية.

تقول شميد: «في اللحظة التي تبدأ فيها في تعلم لغة أخرى، يبدأ النظامان في التنافس مع بعضهما البعض».

شميد هي باحثة رائدة فيما يسمى بفقدان اللغة، وهو مجال بحثي في طور النمو يهتم بتحليل الأسباب التي تجعلنا نفقد لغتنا الأم.

في حالة الأطفال، يسهل تفسير هذه الظاهرة إلى حد ما؛ لأن عقولهم تكون أكثر مرونة وقابلية للتكيُّف بشكل عام، حتى سن 12 عاماً تكون مهارات الشخص اللغوية عرضة للتغيير بشكل نسبي.

خلصت الدراسات التي أجريت على أطفال تم تبنيهم وانتقلوا للعيش في بلدان أخرى، إنه حتى سن تسع سنوات يمكن للشخص أن ينسى لغته الأم تماماً عندما يترك وطنه، بينما في حالة البالغين لا تختفي اللغة الأولى تماماً، إلا في الظروف الاستثنائية.

صدمة الحرب

قامت شميد بدراسة حالات اللغة الألمانية للاجئين اليهود العجائز، بعد الحرب العالمية الثانية، في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

العامل الرئيسي الذي أثَّر على مهاراتهم اللغوية لم يكن المدة التي قضوها خارج بلادهم، أو كم كانت أعمارهم عندما غادروها، ولكنها الصدمة التي عانوا منها كضحايا للاضطهاد النازي.

الذين غادروا ألمانيا في الفترة الأولى لحكم هتلر، قبل ارتكاب أسوأ الفظائع يتحدثون اللغة الألمانية بشكل أفضل، رغم أنهم قضوا وقتاً أكبر خارج ألمانيا، بينما أولئك الذين غادروا بعد ذلك، بعد عام 1938، تحديداً بعد مذابح ليلة البلور، واجهوا صعوبة في التحدث باللغة الألمانية، أو لم يتحدثوا بها على الإطلاق.

تقول شميد: «كان الأمر بوضوح أن ذلك قد حدث نتيجة للصدمة».

على الرغم من أن الألمانية كانت لغة الطفولة والبيت والعائلة، فإنها كانت أيضاً ذكريات مؤلمة. قام معظم اللاجئين الذين تعرَّضوا للصدمة بـ «قمع» لغتهم تماماً.

لخَّص أحدهم ذلك قائلاً: «أشعر أن ألمانيا قد خانتني، والولايات المتحدة هي بلادي، واللغة الإنكليزية هي لغتي».

تحوّل اللغة

يعد هذا الفقدان المأساوي للغة استثناءً؛ ففي معظم حالات المهاجرين، تتعايش اللغة الأم بشكل أو بآخر مع اللغة الجديدة.

القدرة على الحفاظ على اللغة الأولى له علاقة كبيرة بالقدرات الشخصية، فالأشخاص الذين يتمتعون بقدرات لغوية جيدة عادة ما يكونون أفضل في الحفاظ على لغتهم الأم، بغضِّ النظر عن المدة التي يغيبون فيها عن أوطانهم.

على الرغم من ذلك، ترتبط الطلاقة في استخدام اللغة الأم بالطريقة التي يعالج بها العقل اللغات المختلفة.

تقول شميد: «الفرق الأساسي بين العقل أحادي اللغة والثنائي اللغة أن الأخير لديه نوع من التحكم الذي يسمح له بالتغيير من لغة إلى أخرى».

تستخدم شميد المثال التالي، عندما تنظر إلى شيء ما، على سبيل المثال «المكتب» أمامها، يمكن لعقلها أن يختار بين كلمتين، واحدة بالإنكليزية (desk) والأخرى بالألمانية (Schreibtisch)، في حالتها، يقمع عقلها الكلمة الألمانية ويختار الإنكليزية، وهكذا.

إذا كانت هذه القدرة على التحكم ضعيفة، فقد يواجه المتحدث صعوبة في العثور على الكلمة الصحيحة، أو يستمر في استخدام اللغة الثانية.

بين الأصدقاء

يمكن أن يؤدي الاختلاط مع متحدثين آخرين بلغتك الأم إلى جعل الأمور أكثر سوءاً، نظراً لأنه عادة لن تقوم باستخدام لغة واحدة إذا كنت تعرف أن كليهما سيُفهم، والنتيجة غالباً ما تكون هجيناً لغوياً.

في لندن، واحدة من أكثر المدن متعددة اللغات في العالم، هذا النوع من الهجين اللغوي شائع جداً، لدرجة أنه يبدو تقريباً كإحدى اللهجات المحلية.

هناك يتم الحديث بأكثر من 300 لغة، وأكثر من 20% يتحدثون لغة أساسية غير الإنكليزية، حسب موقع BBC Mundo الإسباني.

تقول شميد: «في يوم الأحد، في متنزهات شمالي لندن، أستطيع سماع حوالي 12 لغة، من البولندية وحتى الكورية، جميعها مختلطة مع الإنكليزية من مختلف المستويات».

«I forgot to close la finestra!» تابعت: سمعت فتاة وصديقها يتحدثان الإيطالية، وفجأة صاح الشاب يقصد «نسيت إغلاق النافذة (finestra بالإيطالية)». وفي الملعب، سمعتُ ثلاث نساء يتناولن الساندويتشات ويتحدثن العربية، ثم هرع طفل صغير إلى واحدة منهن، وهو يصرخ «Abdullah is being rude to me»، ردَّت والدته في البداية بالإنكليزية «Listen…»، ثم تابعت باللغة العربية التي لم أفهم منها سوى بعض الكلمات.

بالطبع، هذا التبديل بين اللغتين ليس مثل النسيان، لكن شميد تقول إنه مع مرور الوقت، يمكن أن يجعل من الصعب على العقل البقاء على مسار لغوي واحد.

تقول: «يجد العقل نفسَه في دوامة سريعة من التبديل بين اللغات المختلفة».

كلما كانت اللغة أو اللهجة أكثر استخداماً، زاد احتمال تغيّر لغتنا الأصلية

وجدت لورا دومينغيز، وهي عالمة لغويات في جامعة ساوثامبتون في إنكلترا، تأثيراً مماثلاً عند مقارنة مجموعتين من المهاجرين المتحدثين بالإسبانية: الإسبان في إنكلترا، والكوبيين في الولايات المتحدة.

عاش الإسبان في أجزاء مختلفة من المملكة المتحدة، وتحدَّث غالبيتهم بالإنكليزية، بينما عاش جميع الكوبيين في ميامي، وهي مدينة ذات جالية كبيرة من دول أميركا اللاتينية، فتحدثوا الإسبانية طوال الوقت.

تقول دومينغيز: «جميع الإسبان في المملكة المتحدة يقولون عبارات على غرار (أوه، لقد نسيت الكلمات، أجد صعوبة في العثور على الكلمة الصحيحة) إلخ…»

وتابعت: «وباعتباري إسبانية قضت معظم حياتي المهنية في الخارج، فإنني أدرك هذه الصعوبات، فلم أعد أستطيع أن أجري حواراً طليقاً بالإسبانية مع أبناء بلادي».

في دراستها التي تناولت الإسبان والكوبيين، وجدت دومينغيز اختلافاً مذهلاً، فالإسبان الذين يستخدمون الإنكليزية حافظوا بشكل تام على قواعد اللغة الإسبانية الأساسية، لكن الكوبيين -الذين استخدموا لغتهم الأم باستمرار- فقدت لغتهم بعض السمات الأصلية المميزة، ولم يكن العامل الرئيسي هو تأثير اللغة الإنكليزية، بل كان السبب هو اللهجات الإسبانية  الأخرى في ميامي. بعبارة أخرى، بدأ الكوبيون يتكلمون مثل الكولومبيين أو المكسيكيين.

عندما عادت دومينغيز إلى إسبانيا، بعد إقامتها في الولايات المتحدة، حيث كان لديها العديد من الأصدقاء المكسيكيين، وقالت صديقاتها في إسبانيا إنها تبدو الآن مكسيكية بعض الشيء.

نظرية دومينغيز هي أنه كلما كانت اللغة أو اللهجة أكثر استخداماً، زاد احتمال تغيّر لغتنا الأصلية، وهي ترى هذه القدرة على التكيف كشيء إيجابي، وهو اختبار القدرات الابتكارية لعقولنا.

لا داعي للقلق

تقول دومينغيز: «هذا (القمع للغة الأم) ليس أمراً سيئاً، إنها مجرد عملية طبيعية».

وتابعت: «لقد أجرى هؤلاء الأشخاص تغييرات في قواعدهم تتوافق مع واقعهم الجديد، ما يسمح لنا بتعلم اللغات يتيح لنا أيضاً إجراء هذه التغييرات».

وقالت: «لا شيء مثل أن تكون لغتك الأم سيئة، لكن يمكن تدارك فقدان اللغة الأم على الأقل لدى البالغين، مثلاً عند زيارة الوطن».

وتابعت: «بالنسبة للكثيرين منا، ترتبط لغتنا الأم بهويتنا الأعمق وذكرياتنا وشعورنا بالذات، لذلك أفهم ما تشعر به صديقتنا الألمانية عندما حاولت معرفة معنى كلمة «fremdschämen» دون أي مساعدة خارجية».

تقول شميد: «تصف هذه الكلمة الشعور الذي يراودنا عندما يفعل أحدهم شيئاً محرجاً فنشعر بالحرج له، ويبدو أنها كلمة معروفة ومستخدمة على نطاق واسع، إلا أن 20 عاماً في الخارج قد تؤدي إلى نسيان ما هو أكثر من ذلك».

وأضافت: «لا بد لي من الاعتراف بأن هناك شيئاً حزيناً قليلاً في أنني لم أعد أفهم كلمات يستخدمها أخي، إحساس غير مفهوم بالخسارة والغربة».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s