تعيسٌ وتأخذ الأمور على محمل شخصي.. كيف تتخلص من تفكير «الشخصنة» قبل أن تدمر حياتك؟

iStock-674467426-1-900x400.jpg

في سبتمبر/أيلول من عام 2014، كتبت مقالة بعنوان «كيف يزيد التفكير المشوّه المغلوط من الإجهاد والقلق؟». تعاطت هذه المقالة مع عشرة تشوّهات معرفية شائعة. التشوهات المعرفية هي أخطاء في التفكير. وعلى الرغم من سهولة تحديدها، أو سهولة التعرف عليها في بعض الأحيان، فإنه من الصعب التغلب عليها. وهي تستحق تعلّمها والعمل عليها على الرغم من ذلك؛ لأنها يمكن أن تجعلنا بائسين (أو كما أراها، يمكن أن تزيد من معاناتنا النفسية).

أحد تلك التشوهات العشرة يسمى «الشخصنة»، وهذا هو محور هذه المقالة.

عندما تنخرط في هذا النوع من التفكير، فإنك ترى نفسك -بشكل خاطئ- سبباً في الأشياء التي لستَ مسؤولاً عنها. لهذا السبب، تعد الشخصنة مصدراً رئيسياً للقلق وعدم الرضا. كما أنها تؤدي إلى لوم الذات، وهذا ليس أمراً جيداً بالنسبة لك.

تظهر الشخصنة في شكلين، أولهما: التعامل مع خيبات أملك وصراعاتك الخاصة بشكل شخصي. وثانيهما: أن تشعر بأنك مسؤول عن إسعاد الآخرين، إلى حد الاعتقاد بأن دورك هو التأكد من نجاح الأشخاص الذين تهتم بهم في أي شيء يفعلونه.

وسوف أعالج هذين الشكلين من  الشخصنة كل واحد منهما على حدة.

الشكل الأول: التعامل مع خيبات أملك وصراعاتك الخاصة بشكل شخصي

يواجه الجميع خيبات الأمل والصراعات في الحياة. عندما تقوم بشخصنة ذلك، فإنك تتعامل مع هذه الأحداث التي لا مفر منها باعتبارها بسبب عيبٍ في بعض صفاتك الشخصية. إليك مثالاً أستخدمه في كتابي «How to Wake Up»، إذا رُفض طلبك في الحصول على ترقية في عملك، فأنت تفترض أن سبب ذلك هو أنك لم تكن جيداً بما يكفي في وظيفتك، بينما في الواقع، ربما يكون هناك العديد من التفسيرات الأخرى. ربما تواجه الشركة مشاكل في الميزانية. ربما ذهبت تلك الترقية إلى ابن شقيق الرئيس. عندما تقوم بشخصنة الأمر، فإنك تقفز إلى الاستنتاج بأنك لم تكن جيداً بما فيه الكفاية، بدلاً من التفكير في هذه البدائل.

 

مثال آخر، كنتِ تتوقعين قدوم إحدى الصديقات لزيارتك، ثم أرسلت إليكِ رسالة بريد إلكتروني في ذاك الصباح تقول فيها إن هناك شيئاً طارئاً حدث، وستحتاج إلى تحديد موعد آخر. في هذه الحالة، تحدث الشخصنة عندما تفترض أنه وبسبب عدم إعطائها أية أسباب لإلغاء الموعد، فلا بد أنها لم تكن تريد رؤيتك، أو لأن عرضاً «أفضل» ظهر فجأة. في هذه الحالة، أنتِ لا تتوقفين عن التفكير في الأسباب التي منعتها من إبداء أسبابها. ربما يواجه أحد أفراد العائلة مشكلة. ربما تكون هي التي تمارس الشخصنة، وقامت بالإلغاء؛ لأنها تعتقد أنها ليست رفيقة مثيرة للاهتمام بما فيه الكفاية!

المثال الثالث ينطبق عليّ، عندما أُصبت بمرض مزمن. اعتقدت أنه كان خطئي. اعتقدت في الواقع أن عدم القدرة على استعادة صحتي يمثل بعض الإخفاقات الشخصية من جانبي. أتحدث عن تناول شيء ما تعاني معه بالفعل (صحتك) وأن تجعل الأمور أسوأ!

كيف يمكنك أن تتعلم مواجهة ميولك نحو أخذ خيبات الأمل والصراعات بشكل شخصي؟ فيما يلي استراتيجيتان لمعالجة هذا الأمر:

1- تعلم أن تراقب نزعاتك إلى إلقاء اللوم على نفسك عندما لا تسير الأمور كما يحلو لك أو كما كنت تخطط لها

اعمل على إدراك الكيفية التي تتعاطى بها مع خيبات الأمل وصراعات الحياة. هل تقفز على الفور إلى استنتاج مفاده أن كل ما لا يحدث كما خططت له هو بسبب خطئك؟ إن إدراك ميلك إلى إلقاء اللوم على نفسك في هذه المواقف هو الخطوة الأولى في تغيير هذا النمط من التفكير؛ لأنه بمجرد إدراك ما تفعله، يمكنك أن تسأل نفسك عمّا إذا كان ردك معقولاً وعقلانياً.

عندما تسأل نفسك هذا السؤال، من الصعب التخلّص من الاستنتاج بأنه لا فائدة من وراء لوم نفسك على خيبات الأمل والصراعات. إنها جزء لا مفر منه في التجربة الإنسانية. لا أحد يحصل على «تصريح بالنجاح» عند ولادته؛ لأن لا أحد يحصل على كل ما يريده/أو تريده طوال وقت.

يمكن لهذا النوع من الوعي الإدراكي أن يساعدك في استبدال لوم الذات بالتعاطف مع الذات. لنكُن واقعيين: الحياة صعبة في بعض الأحيان. وأنت تجعل الأمور أكثر صعوبة عندما تأخذ مصاعب الطريق بشكل شخصي. ليس هناك سبب لفعل ذلك؛ لأن هذه المصاعب هي جزء من تجربة كل شخص في الحياة.

2- إدراك أنك لا تعرف أسباب تصرّفات الآخرين طوال الوقت

عندما تشعر بالإحباط من شخص ما – مثلاً شريكك سريع الانفعال، أو أن صديقك لا يتصل لأسابيع، أو عدم حصولك على تلك الترقية – بدلاً من أخذ تلك الأمور بشكل شخصي من خلال إلقاء اللوم على نفسك، عليك أن تدرك أن تصرفات الآخرين غالباً ما تكون غير واضحة الأسباب.

تدور قصة حياة كل شخص منا بطريقة فريدة خاصة به. ربما يكون شريكك سريع الانفعال بسبب شيء ما حدث في العمل. قد لا تتصل بك صديقتك؛ لأنها غارقة في الالتزامات العائلية. وكما ذُكر أعلاه، قد يكون هناك عدد من الأسباب لعدم حصولك على تلك الترقية في عملك.

خلاصة الأمر: في أغلب الأوقات أنت لا تعرف لماذا يتصرف الآخرون بهذه الطريقة. ولذلك، فإن أخذ سلوكياتهم على محمل شخصي ليس عادلاً (أو لطيفاً) بالنسبة لك.

الشكل الثاني: الشعور بالمسؤولية تجاه سعادة الآخرين وخيبات أملهم وصراعاتهم

هذا هو الشكل الثاني الذي تأخذه الشخصنة، أن تعتقد أنك مسؤول عن أحوال الآخرين، سواء كانت قدرتهم على أن يكونوا سعداء، أو أن ينجحوا بطريقة ما، أو حتى شيء بسيط مثل ما إذا كانوا قد أمضوا وقتاً ممتعاً معك عند زيارتك الأخيرة. يا له من عبء تفرضه على نفسك! لا عجب أنه في كثير من الأحيان تسمى الشخصنة «أُم كل الذنوب».

فيما يلي استراتيجية لمواجهة هذا النوع من الشخصنة:

تساءل عن مدى صحة اعتقادك بأنك مسؤول عن الآخرين

لتجربة ذلك، عليك أولاً أن تجلب إلى ذهنك شخصاً تشعر بالمسؤولية تجاهه ثم املأ الفراغ:

أنا مسؤول عن اختيارات ممكنة:

  • سعادته.
  • قضائه وقتاً ممتعاً.
  • حياته الاجتماعية.
  • درجاته في الدراسة.
  • نجاحه في العمل.
  • قدرته على البقاء في علاقة.
  • مهارته في التعامل مع المصاعب.

فكر الآن فيما إذا كان تحميل نفسك المسؤولية عن مدى نجاح شخص آخر هو تقييماً واقعياً لكيفية سير الحياة (بما في ذلك قدرتك على التحكم بل والتأثير على الآخرين). ستجد أن الأمر ليس كذلك. تعتمد سعادة الناس ونجاحهم وقدرتهم على التعايش على عدد كبير من العوامل، منها: تاريخ حياتهم الشخصية، وتأثيرات الطفولة (مثل الآباء والمعلمين)، وحتى تكوينهم الجيني.

بعد أن تُمعن النظر في هذا التمرين الصغير أعلاه، قل لنفسك الآن: «لست مسؤولاً عن نضالات هذا الشخص وخيبات أمله في الحياة. أنا على استعداد للمساعدة إذا استطعتُ ذلك، ولكن على الجميع أن يتعايش بطريقته الخاصة في هذا العالم. في بعض الأحيان سينجحون في شيء ما، وأحياناً لن ينجحوا. في بعض الأحيان سيكون لديهم وقت جيد، وأحياناً لن يكونوا كذلك. في بعض الأحيان سيكونون سعداء، وفي بعض الأحيان لن يكونوا كذلك. هذا هو حال الحياة معي، وحالها كذلك مع الجميع».

التغلب على هذا الشكل الثاني من الشخصنة يمكن أن يمثل تحدياً. يتطلب الأمر بذل جهد جاد للتوقف عن الاعتقاد بأنك مسؤول عن حياة الآخرين، ولا سيما أولئك الذين تحبهم بشدة. ستساعدك إعادة النظر في هذا التمرين ثم تكرار شيء ما يشابه ما ذُكر في الفقرة السابقة. عندما  تكون قادراً على التخلي عن الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، فإن ذلك من شأنه ليس تحريرك فحسب، بل من المحتمل أيضاً أن يؤدي إلى علاقة أفضل مع هؤلاء الأشخاص.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s