تربح أكثر وتصرف أقل.. كيف تتقاعد وأنت في الثلاثينيات من عمرك وبحوزتك مليون دولار في البنك

iStock-518707448-1300x500.jpg

في يوم الثلاثاء، 10 مارس/آذار عام 2017، اتَّصل جنسن بمديره في العمل وأعطاه إشعاراً بأنه سيغادر عمله عمَّا قريب، بعد 15 عاماً أمضاها في الشركة. لم يكن يقدِّم استقالته بالضبط، كان قد تقاعد، كان سنُّه 43 عاماً.

قبلها بخمس سنوات تعرَّض كارل جنسن لما يسمِّيه بـ «الصحوة»، فهو مهندس برمجيات في إحدى ضواحي مدينة دنفر بولاية كولورادو، يكتب تعليمات برمجية (أكواداً) تشغِّل جهازاً طبياً. كان يخضع بموجب وظيفته تلك إلى ضغطٍ عالٍ: كان عليه توثيق كل خطوةٍ يخطوها لتُعرَض على إدارة الغذاء والدواء (FDA)، وأيُّ خطأ برمجي قد يؤدي لإيذاء أو موت المرضى.

كان جنسن يجني نحو 110 آلاف دولار سنوياً، وكان يتمتَّع بامتيازات أخرى، لكنَّ الأمر لم يبدُ وكأنه يستحق كل هذا الضغط. لم يتمكَّن من الاسترخاء مع عائلته بعد العمل، كان يقضي أياماً مقرفصاً على كرسيّ المرحاض. خسر من وزنه 4.5 كيلوغرام.

وبعد يوم عملٍ شاق على نحو استثنائي، بحث جنسن في محرِّك البحث جوجل عن الجملة الآتية: «كيف أتقاعد مبكراً» وتفتَّحت عيناه. تحدَّث بالأمر مع زوجته وتوصَّلا معاً لخطة: ادَّخرا قدراً كبيراً من دخليهما على مدار الخمسة أعوام المقبلة، وقلَّلا من نفقاتهما بشكلٍ جذري، حتى بلغ صافي مدَّخراتهما نحو 1.2 مليون دولار.

كيف تَشق طريقك نحو التقاعد

مع أنَّ قصة جنسن قد تبدو استثنائية، أقرب لنسخةٍ أكثر تواضعاً من حكاية سمسار البورصة الذي يحقِّق ضربة فوزٍ ببرصة وول ستريت، ثم يُبحر إلى جزر الكاريبي، إلَّا أنَّها جزءٌ من حركةٍ متنامية بين شباب الموظَّفين الذين يركِّزون اهتمامهم على ترك وظائفهم للأبد.

اعتنق المنتمون لجيل الألفية بشكلٍ خاص هذه الحركة الملقَّبة باسم «FIRE» (وهو اختصارٌ لجملة «الاستقلال المالي، والتقاعد المبكر») إذ يرون فيها مهرباً من العمل مُستهلِك الروح وسارق الوقت، ومن الاقتصاد الذي تحرِّكه النزعة الاستهلاكية.

يحسبون بدقة كيف يتقاعدون في أقرب وقت

يميل متَّبعو حركة FIRE إلى أن يكونوا ذكوراً عاملين في مجال التكنولوجيا، مِن نوعية المهندسين العقلانيين وأصحاب النظرة التحليلية ممَّن يُعمِلون طبيعتهم تلك في حساب الفائدة المركَّبة على مدار 40 عاماً، أو العائد على الاستثمار (R.O.I.) في صناديق مرتبطة بمؤشر أسهم منخفضة النفقات، في مقابل تكلفة إيجار العقارات.

وبالفعل، يتمحور أكثر الحديث الدائر حول FIRE، سواء كان على قوائم المراسلة بموقع Reddit أو في مدوناتٍ مثل Mr. Money Mustache، حول كيفية التحايل على ماليات المرء: استراتيجيات تهدف لزيادة معدَّل ادخارك حتى يبلغ نسبة 70% المقدسة، ونصائح للسفر بتكلفةٍ رخيصة من خلال بطاقات المكافأة المقدمة من  خطوط الطيران، وطرقٍ لتوفير 5 و10 سنتات في متجر البقالة.

يمارس البعض توجُّه «lean FIRE»، أي النهج المتشدد (يقصد به التوفير لأقصى درجةٍ)، وغيرهم «fat FIRE» وهو نهج وسطي (أي الحفاظ على مستوى معيشةٍ طبيعي مع الإبقاء على عامل الادخار والاستثمار)، وغيرهم كذلك يتبنى «barista FIRE» وهو نهج محضِّر القهوة (الذي به يقصد العمل بدوامٍ جزئي في أحد مقاهي Starbucks بعد التقاعد، للتمتُّع بالتأمين الصحي الذي تقدِّمه الشركة). ويقصد بالصيغة المضارعة من فعل «firing» المأخوذ من اسم الحركة اقتطاع نفقاتك لزِيادة المدَّخرات لأقصى حدٍّ ممكن، فيما تراكِم في الوقت ذاته استثماراتٍ مولِّدة للعائد تكفي لإعالة نفسك مستقبلاً. وبينما يعني الفعل في زمن الماضي «fired» أنك حقَّقت ذاك الهدف.

جنسن، الذي باع منزله ذا الغرف الأربع والحمامات الأربع، وانتقل لبيتٍ أكثر تواضعاً، وزيادة حسابات تقاعده حتى وصلت لحدِّها الأقصى فيما كان يتبع أسلوب الـ «firing» يقول، إن الكثير من الناس يظنون أنهم هيبيز هذا العصر؛ لأنهم لا يمكنهم استيعاب ما يفعلونه.

وفي حياة التقاعد، يُخطِّط جنسن وزوجته وابنتاه للعيش بنحو مبلغ 40 ألف دولار سنوياً، تدرِّها الاستثمارات. ولأنَّ زوجته ما زالت تعمل حالياً، فهم لم يسحبوا من هذه الحسابات حتى الآن، لكن حياتهم أصبحت بالفعل حياة أثرياء، لكنَّها تفتقر إلى الرفاهيات: تُشترى البقالة من متجر Costco للبيع بالجملة، ويقوم جنسن بالإصلاحات اللازمة في البيت والسيَّارة.

وقال جنسن: «دائماً ما يفترض الناس أنَّ هناك ظرفاً خارجياً ما: «أوه، لا بد أنَّك ورثت أحداً». كل ما في الأمر أنَّنا اخترنا العيش في مستوى أقل بكثير من مواردنا. تلك فكرةٌ ثورية في حد ذاتها».

ما يضاهيها في تلك الثورية هو ترك قوة العمل وأنت في الثلاثينيات من عمرك، أو في أوائل الأربعينيات، وهو وقتٌ يحاول فيه الرجال والنساء عادةً التنفُّع من مسيرتهم المهنية، أو في حالٍ أقل سعادة، يتحمَّلون فيه الكدح اليومي في سبيل دفع الفواتير، حتى يأتي وقت أن يرفع عنهم الضمان الاجتماعي هذا العبء.

جيسون لونغ، وهو صيدليّ في ريف ولاية تينيسي، تقاعد العام الفائت في سنّ 38 عاماً، وجد والده صعوبةً في فهم سبب عدم تمكُّنه من الاستمرار في العمل وتلقِّي راتب 150 ألف دولار سنوياً.

لكن جيسون قال إنَّه كان شديد التعاسة في وظيفته، حيث رأى على مدار مسيرته المهنية أسعار الأدوية وهي ترتفع بشكلٍ صادم، ورأى مرضى يحاربون موفِّري التأمين الصحي، وشهد المبالغة في وصف الأفيونات، وما نتج عنها من أزمة إدمانٍ في البلاد. غالباً ما كان زبائنه الغاضبون والمرتبكون والمتعسِّرون مالياً يصبون جام غضبهم ذاك على الشخص الواقف على الجانب الآخر من منضدة البيع.

وقال: «مرَّت أيامٌ عملت فيها مناوباتٍ استمرت 12 أو 14 ساعةً، لم أدخل فيها الحمام أو آكل مِن كثرة تراكم العمل عليّ».

ومثلما فعل جنسن، كان جيسون يدَّخر قدراً كبيراً من دخله على مدار الأعوام العشرة الفائتة، وامتلك هو وزوجته منزلاً دفعا ثمنه ومحفظة استثمارٍ بقيمة تعدَّت المليون دولار بقليل. لمَاذا عليه الاستمرار في عمله إذن؟

وقال جيسون: «الواقع أنَّ الأرقام كانت أمامي. أن ترتاد عملاً يتسبَّب في تعاستك كل يوم، لا يبدو الأمل عقلانياً أن تستمر بحشو حسابك المصرفي عند تلك النقطة».

طالما تبنَّت جماعات من الأميركيين نزعة العيش البسيط

لِمَ يكره أبناء جيل الألفية هؤلاء العمل؟

ليس مفهوماً جديداً أن تترك عالم التنافس الأعمى ذاك. وبدءاً من طائفة The Shakers في القرن الثامن عشر وحتى حركة «العودة إلى الأرض» التي دشَّنها الهيبيز في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لطالما تبنَّت جماعات من الأميركيين نزعة العيش البسيط.

نُشِر في عام 1992 أحد الكتب المقدَّسة لحركة FIRE، بعنوان: «Your Money or Your Life«، أي «إما مالك أو حياتك»، الذي يُعلِّم القارئ كيف يقلِّل إنفاقه ويضع قيمة الوقت (أو «طاقة الحياة») في منزلةٍ أعلى من المكسب المادي.

لكن فيكي روبين، التي كتبت هذا الدليل المالي بالاشتراك مع جو دومينغيز، قالت إنَّ حشد تابعي FIRE هو نوعٍ مختلف من تاركي العمل عن ذلك الذي كان حاضراً في التسعينات. وأضافت فيكي: «لم يكن هدفنا من الكتاب أن ندفع جماعةً من الناس إلى ترك وظائفهم. كان الهدف هو أن نقلِّل استهلاكنا بغرض إنقاذ الكوكب. واجتذبنا في ذلك أناساً متَّبعين العيش البسيط منذ فترة طويلة، وآخرين متديِّنين، ومناصرين للبيئة».

وقالت فيكي إنَّ أتباع FIRE، بخلاف غيرهم «هُم واعون للأرقام لدرجةٍ كبيرة، تُبهرهم تفاصيل الضرائب والمحاسبة».

كذلك يستفيد هؤلاء أيضاً من صعودٍ مطوَّل شهدته البورصة، وفي بعض الحالات، تمتُّعهم بامتيازاتٍ الطبقة الاجتماعية، والعرق، والنوع الجنسي، والخلفية الاجتماعية. من الصعب أن تتقاعد في سنّ الأربعين إذا كنت تعمل في وظيفةٍ تعطيك الحد الأدنى من الأجور مثلاً، أو إذا كنت محمَّلاً بدين قرضٍ طلابيّ يقصم الظهر، أو إن لم تكن لديك الفرص ذاتها التي تسنح لغيرك لأنَّك نشأت في حيّ فقير أو تكثر فيه الجريمة.

لكن إذا كان أتباع FIRE، وفقاً لما قالته فيكي «يفتقرون للطموح» الذي كان سمةً للأجيال التي سبقتهم، لِم هُم بهذا العزم لأن لا يصبحوا من القوة العاملة. كثيرٌ من جيل الألفية لم يعمل لأكثر من عشرة أعوامٍ حتى الآن، هذا على أقصى تقدير.

قالت فيكي إنَّ الأمر متعلقٌ بتملُّك الإرادة وحُكم الذات: «في خضم الاقتصاد الحالي، بالكاد يملك العامل فيه أي حسٍّ بالسيطرة على وجوده. الأشخاص سلعةٌ قابلة للاستهلاك. أنت شابٌّ تفكر في المستقبل وتقول: (أيُّ شيءٍ ينتظرني هنا؟)».

هذا وصفٌ دقيق لما شعرت به كريستي شين وبرايس لونغ. صار الزوجان المقيمان في تورونتو مشاهير على نطاق محدود (ومقصداً لحاقدي الإنترنت)، عندما تقاعدا من وظيفتيهما في مجال التكنولوجيا عام 2015، وجابا أنحاء العالم بدوامٍ كامل. كان الثنائي في أوائل الثلاثينيات من عمريهما آنذاك.

أتت لحظة «الصحوة» كريستي عندما شاهدت زميلاً يعمل بتكنولوجيا المعلومات مثلها ينهار على مكتبه فاقداً الوعي، بعد أن عمل لأيامٍ دوامات لمدة 14 ساعةً متواصلة، وحُمِل خارجاً في سيَّارة إسعاف. ولأعوامٍ سبقت تلك اللحظة، كانت تحاول هي وزوجها برايس، سائرين على درب أهلهم، شراء منزلٍ في سوق العقارات دائمة الغلاء في تورونتو.

لكن كريستي قالت: «لم يهُم كم ادَّخرت، كنَّا نقصد هدفاً متحركاً يبعُد أكثر فأكثر. وكنت أرى ناساً يعانون من ضغوط تسديد أقساط رهن منازلهم».

ومع أنَّهما كانا شخصين حاصلين على تعليمٍ جيد، وكانا يعملان بوظيفتين بأجر جيِّد في قطاع التكنولوجيا النامي، واجه كريستي وليونغ أخطاراً محدقة مثل التعهيد (الاستعانة بمصادر خارجية) والذكاء الاصطناعي، ولم يكن لديهم أي أملٍ في الحصول على معاشٍ تقاعدي، أو حتى في أنَّ الشركات التي يعملون لديها ستظل موجودة بعد خمسة أعوام.

وفي الوقت ذاته، كانت وظائفهم تستنزفهم كلياً، وساعات عملهم بالأساس تمتد طوال الأربعة والعشرين ساعةً لمدة سبعة أيامٍ في الأسبوع. بدلاً من تكبيل أنفسهما بقرضٍ عقاريّ مكلِّف، وما يترتَّب عليه من وظائف ذات ضغطٍ عال، قرَّر الثنائي أن يضخا أموالهما في محفظةٍ استثمارية وترك أعمالهما.

وقالت كريستي: «كتيِّب القواعد الذي أعطانا إياه أهلنا هو نصيحةٌ مثالية للسبعينات، لكن علينا أن نُلقِي هذا الكتيِّب جانباً الآن ونكتب غيره».

كان برايس أكثر صراحةً في حديثه عن التحديات التي تواجه جيله قائلاً: «لا نمتهن وظائف ستعتني بنا (فيما بعد). علينا نحن الاعتناء بأنفسنا».

من الصعب أن تتقاعد في سنّ الأربعين بالحد الأدنى من الأجور

اذهب حيث السكن رخيص

بتركهم المدينة الكبيرة، يضرب الزوجان كريستي وبرايس مثالاً على سببٍ ضمني آخر لشعبية حركة FIRE: الثمن المرتفع لحياة المدينة، وخاصةً في أماكن مثل مدينة نيويورك وجنوب ولاية كاليفورنيا، حيث تسعيرات السكن الجنونية، والتكلفة المرتفعة لرعاية الأطفال، وإغراء ما يُسمَّى بـ «lifestyle creep» أو تطوُّر أسلوب المعيشة بزيادة الرفاهيات شيئاً فشيئاً.

وقال سكوت ريكنز، 35 عاماً، الذي كان يعيش هو وزوجته، تايلور، 33 عاماً، وطفلته الرضيعة حتى وقتٍ قريب في مدينة كورونادو بولاية كاليفورنيا، وهي مدينةٌ ساحلية باهظة التكلفة على الجانب الآخر من الخليج من مدينة سان دييغو: «كنا ننفق نحو 3 آلاف دولار شهرياً على الإيجار، وكان هذا السعر يُعتبَر صفقةٌ جيدة. كنَّا نجني قرابة 160 ألف دولار شهرياً نحن معاً، لكن لم يكن يتبقى منها الكثير».

تحمَّس سكوت بعد سماعه مقابلةً مسجَّلة ومُذاعة على الإنترنت مع صاحب مدوَّنة Mr. Money Mustache بيت آدني، الذي لقَّبته مجلة  The New Yorker الأميركية باسم «معلِّم الادخار» (إذ إنَّه تقاعد في سنّ الثلاثين). أخبر زوجته أنَّ عليهما التخلِّي عن سيارتهما المؤجرة من طراز بي إم دبليو، والتوقُّف عن تناول الطعام خارج البيت لعدة ليالٍ أسبوعياً.

لكن حتى مع توفير نفقات المعيشة تلك، لم يكن بإمكان الثنائي أن يُزيدا من معدَّل ادِّخارهما بشكلٍ ملحوظ، إلَّا إذا انتقلا لمجتمعٍ أرخص، وهو تكنيك لتخفيض الديون يسمِّيه حشد حركة FIRE باسم «arbitrage»، أي «الموازنة (التنفُّع من فرق السعر)».

قال آدني إنَّ الفكرة اقتضت «حصد الراتب الكبير» من مكانٍ مثل وادي السيليكون «ثم خُذ هذا المال المُدَّخر إلى واحدة من آلاف المدن والبلدات الجميلة ذات التكلفة المعقولة في بلادنا، والبدء بالمرحلة الثانية من عيش الحياة بشروطك الخاصة».

في البدء تردَّدت تايلور ريكنز، وهي تعمل بمجال استقدام العاملين، بشأن التخلِّي عن سيارتها من طراز بي إم دبليو وحياة الشاطئ والرونق الاجتماعي المُرتبط بهذه الحياة، كان ذلك حتى رأت حاسبةً إلكترونية للتقاعد، بيَّنت أنَّ بإمكانها هي وزوجها التقاعد بعد 10 أعوامٍ إذا ما اتَّبعا FIRE، وانتقلا من مدينتهما، أو التقاعد في سن 90 عاماً إذا ما استمرَّا بنمط المعيشة الباهظ في مدينة كورونادو.

وقالت تايلور: «لم أكن ألقي بالاً قط للأمور المالية، كنت أظن أنَّ الأمور ستتدبَّر وحسب. بعد أن رُزِقت بطفلتي، شعرت بتوترٍ بشأن تمكني من قضاء وقتٍ أطول بصحبتها. كنت شبه مُستعبَدة بمقتضى عملي بفعل أسلوب المعيشة الذي كنَّا نحظى به».

وفي العام الفائت، ترك الثنائي جنوب كاليفورنيا؛ بحثاً عن مجتمعٍ يسمح لهما بمزيد من الحرية المالية، وهي رحلة بحثٍ يوثِّقها ريكنز، الذي كان في السابق مخرجاً بوكالةٍ إبداعية، بالتسلسل الزمني في فيلم تسجيلي بعنوان: «Playing with FIRE«، أي «اللعب بالنار».

انتهى بهما الأمر في مدينة بيند بولاية أوريغون، حيث لا توجد ضريبة مبيعاتٍ تفرضها الولاية، وحيث يمكنهما تحمُّل كلفة شراء منزل. يبلغ ثمن البنزين لسيَّارتهما من طراز هوندا CRV المستعملة لقطع مسافة 186 ميلاً (300 كيلومتر) (إذ تخلَّصا من سيَّارتهما من طراز بي إم دبليو وخفَّضا استخدامهما ليمتلكا سيارة واحدة فقط) دولاراً أقل مقابل الغالون الواحد، ممَّا كان في مدينة سان دييغو، ومع ذلك عادةً ما يتجوَّل ريكنز في البلدة مستقلاً دراجته الهوائية.

التقاعد المبكر ليس موضوعاً مهماً بالنسبة لريكنز. الأمر عنده يتعلِّق أكثر باكتساب قدرة على التحكم بوقتك الخاص «إذا تعمَّقت بتعريف كلمة التقاعد، تجد أنَّ ما تتقاعد عنه فعلياً هو العمالة الجبرية. ليس بالضرورة أن يعني الأمر شُرب البينا كولادا على الشاطئ».

يختارون التقاعد ليسافروا عبر العالم

كيف هو الأمر عندما تتقاعد قبل والديك

إنَّ التقاعد الذي يبدأ قبل الشَّيب بوقتٍ وفير ويمتدّ لـ40، أو 50، أو حتى 60 عاماً هو حالةٌ شاذة في الحياة المعاصرة. بمَ تشغل كل هذه الأيام، والشهور، والعقود؟

في ظهيرة يومٍ عادي، كان جنسن يصطحب ابنتيه، وعمرهما 8 و11 عاماً، إلى معرض مقاطعة بولدر. قال لهما: حسناً، سننتظر حتى يوم الخميس؛ لأنَّه يوم البيع بنصف السعر. وبالمناسبة، سنذهب للمعرض مشياً. إنَّه يبعد مسافة ميلين (3 كيلومترات) عن المنزل».

خوفاً من الملل، شغل جنسن نفسه في بادئ الأمر بأشياءٍ أكثر من اللازم، ووجد الأمر غريباً أن يكون يتمرَّن في مركز الترفيه المحلِّي بجوار مواطنين مسنِّين، أو يتسوَّق في متاجر ضخمة خالية تماماً في يوم ثلاثاء. كذلك سبق جنسن والدته في التقاعد، ممَّا جعل التجمُّعات العائلية مُحرجة بعض الشيء.

لكن بعد عامٍ واحدٍ فقط، استقرّ جنسن في حياة الراحة، مستمتعاً بالوقت الذي يقضيه في تربية ابنتيه، حريصاً على ألَّا ترياه أبداً خاملاً دون حراكٍ أمام التلفاز. كذلك يمارس جنسن نشاطاً، أصبح مثل رياضة الغولف بالنسبة للعديد ممَّن وصلوا لهدف حركة FIRE: كتابة مدوَّنةٍ تقدم نصائح مالية.

تحوَّل آخرون من متقاعدي حركة FIRE إلى مدونين، بما في ذلك كتاب مدوَّنة Early Retirement Dude، والزوجان أصحاب مدوَّنة Our Next Life، والزوجان اللذان يكتبان مدونة the Frugalwoods، وهما شابَّان لديهما أطفال، ألَّفا كتاباً عن تحوُّلهما من كونهما جُناة مالٍ كثير يسكنان في ضواحي مدينة بوسطن إلى متقاعدين يمتهنان الزراعة بولاية فيرمونت، وكريستي وليونغ، اللذين عندما لا يكونان يجوبان العالم، يدعوان إلى قيام ثورةٍ ألفية («توقَّفوا عن العمل، وابدأوا بالحياة»).

تفاصيل حياتهم في مدونات

لا عجب أنَّ الجيل المتمرِّس بالتكنولوجيا يحاول نشر دعوته، مستقطباً المزيد من الأشخاص عبر الإنترنت. بالإضافة لذلك، يمكن للتدوين أن يقدِّم أمراً ينشده كل متقاعدٍ مبكر، مصدر دخلٍ إضافي.

ربما كان لونغ، الصيدليّ القاطن في ريف تينيسي، مَن كتب الرواية الأكثر تفصيلاً وعمقاً؛ لكونه شخصاً اتَّبع حركة FIRE حتى التقاعد. وفي سلسلةٍ من المنشورات على قوائم المراسلة الخاصة بالاستقلال المادي على موقع Reddit، وثَّق لونغ بفكاهةٍ صريحة وإنكارٍ للذات كيف كان عامه الأول في التقاعد.

بعد تبنِّيه FIRE بشهرٍ واحد، كتب لونغ عن شعور الذنب الذي انتابه عند إنفاقه المال (على ألعاب الفيديو)، وقلقه من أن يتعدَّى ميزانية بيته. قضى لونغ يومه مع العائلة، وفي الصالة الرياضية، وقائماً بأعمال المنزل، ومتمرناً. حتى الآن لم يكن نادماً على شيء: «اتَّخذت القرار الصائب. تِلك هي الحياة التي أريدها».

في الشهر الثاني، ذكر لونغ حدوث زيادة بنسبة 2.8% بمحفظته الاستثمارية على مدار أوَّل شهرين، حتى في ظل نفقات المعيشة، وسرد قائمة إنجازات حققها بما في ذلك أنه قرأ أكثر، وطهى أكثر، وزاول أعمالاً تطوُّعية أكثر، و»أصبح يحلّ مكعَّب روبيك أسرع». كانت معدَّلات القلق في انخفاضٍ ملحوظ، وكتب: «قال صديقٌ لي إنَّ شعور التخوُّف البادي على وجهي كان قد تلاشى».

في الأشهر التي تلت ذلك، أعاد لونغ مشاهدة المسلسل القصير «Roots»، وفقد اهتمامه كلياً بالتحدث عن FIRE الآن، وقد حقَّق الهدف المرجو منه، خشي حدوث انهيارٍ مُرتقب بالبورصة، وانتابته كوابيس أنَّه «كان قد عاد للعمل يتجادل مع الحمقى»، وأنهى ماراثون جري برقمٍ قياسي شخصي تحت الثلاث ساعات، وشعر بلحظاتٍ من العزلة الاجتماعية، وقام برحلةٍ بالسيارة استمرَّت أسبوعين عبر منتصف الولايات المتحدة، وزار الشاطئ في فلوريدا مرتين مع زوجته، وشهدا صافي مدَّخراتهما يصل لأعلى نقطةٍ له، برغم عدم عمل أيٍّ منهما، وهو ما عزاه لفضل «إقرار قانون تخفيض الضرائب على مخلِّقي الوظائف الأثرياء أمثالي».

وبالطبع، بدأ لونغ يكتب مدونة.

وكتب بعد مرور 7 أشهر من تقاعده: «إنَّ حياتي الآن أفضل كثيراً ممَّا كانت عليه من قبل. أتمنى لجميع مَن هنا أن يجدوا مثل هذا السلام».

متحدثاً عبر الهاتف، اعترف لونغ أنَّه من الممكن أن يكون قد استُنزِفت كل قواه فحسب، وأنَّ كل ما يتعلَّق بحركة FIRE ذاك ليس إلا استراحةٍ هوَ في حاجةٍ لها، حتى يجد مسيرة مهنية مُرضية أكثر. عندما عُرِضت على لونغ موخراً وظيفة في مجال الصيدلة، أصابته نوبة هلعٍ خفيفة.

في ذلك الصباح كان قد استيقظ وحده، «وليس عندما أخبرني المنبّه أنَّ هُناك مسؤولية في انتظاري». كان قد قرأ الأخبار على الإنترنت لمدة 30 دقيقة، وجرى لمسافة 7 أميال (11 كيلومتراً)، وأخذ قيلولة و»راقبت مروحة السقف وهي تدور لفترة».

يشاهد لونغ أفلاماً مذكورة في موقع ?They Shoot Pictures, Don’t They وهو موقعٌ يصنِّف ما يقول إنَّه أعظم 1000 فيلم في التاريخ. شاهد إلى الآن 600 فيلم منها. أصبح لونغ كثير المشاغل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s