لا تلُم والديك على غبائك.. اختر البيئة المحيطة بك جيداً لأن لها دوراً أكبر مما تتخيل في تحديد مستوى الذكاء

iStock-678860582-900x400.jpg

أيُّهما أكثر تأثيراً في معدل الذكاء: البيئة أم الجينات؟ الإجابة عن هذا السؤال أصبحت أكثر تعقيداً، ولم يعد الاعتقاد السائد بأن الأولاد يرثون مهارات آبائهم الفكرية صائباً بشكل قاطع. مستوى الذكاء يتأثر بالبيئة التي تعدّل أداء جينات الدماغ، وللتربية يدٌ في تكوين ذكاء الإنسان وليس فقط الطبيعة.

مثل هذا الاستنتاج ليس مفاجئاً إذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن العديد من الجينات تؤثر على معدل الذكاء، وأن التجارب المجهدة يمكن أن تتسبب في إقفال أو تحرر الجينات بالدماغ.

ومع ذلك، فإن وجود أدلة قاطعة على تلك الصلة سيثير -بلا شك- النقاش حول معنى أن تكون «ذكياً».

تأثيرات غير متوقعة للضغوط في الصغر.. والأحضان

في دراسة حديثة عن الموضوع، قارن فريق من الباحثين في جامعة Charité – Universitätsmedizin ببرلين درجات الذكاء ومختلف السمات العصبية لدى مجموعة من المراهقين الأصحاء.

من الناحية المثالية، كان بإمكان الفريق أن ينظر إلى الجينوم البشري لديهم بأكمله، ولكن عدد المشاركين في العينة بلغ بالكاد 1500 شخص.

كان عليهم أن يركزوا على مجموعة صغيرة من الجينات التي تتعامل مع توقُّع المكافأة في جزء صنع القرار بالدماغ، وهو الجسم المخطط Corpus Striatum.

وجد الباحثون علاقة قوية بين التعديلات فوق الجينية epigenetic modifications لِجين واحد ومعدل الذكاء العام، ما يشير إلى أن تجارب البشر لا تؤثر فقط على عمل الدماغ؛ بل على الطريقة ذاتها التي تعمل بها الجينات على المستوى الأساسي.

أصبح علم التخلق ما فوق الجينات Epigenetics يحقق إنجازات كبيرة في علم الوراثة بالسنوات الأخيرة، وبات يسمح للعلماء باستكشاف العلاقة المذهلة بين الوظائف الجينية والتغير البيئي.

فالعنف وسوء التغذية والتهديد عوامل تعدل الجينات كيميائياً

على سبيل المثال، في أوقات الإجهاد المرتفع، مثل التهديد المستمر بالعنف أو سوء التغذية، بإمكان التغييرات الفسيولوجية أن تعدل الجينات عن طريق إضافة أو إزالة مجموعة كيميائية تغلقها بشكل فعال أو تفتحها.

وعناق الأطفال الرضّع يعزز المناعة والمستوى الاجتماعي

وبإمكان هذه التعديلات أيضاً أن تذهب في الاتجاه الآخر. فمن المحتمل أن إظهار عاطفة كبيرة للرُّضع، مثل العناق المتكرر، قد يغير أيضاً تعبير جيناتهم بالطريقة نفسها.

وفي المقابل، يمكن أن تؤثر مثل هذه التغييرات ببراعة على مجموعة من الخصائص التي يمكن أن تكون لها تأثيرات جذرية؛ ما يؤدي إلى تغيير مسار كل شيء، من كيفية عمل نظام المناعة إلى مقدار ما تجنيه.

الجين إذا أقفل تتراجع معدلات الذكاء

وفي هذه الحالة، اكتشف الفريق أنه في حالة وجود الجين الذي يحمل اسمDRD2 مقفلاً على المستوى ما فوق الجيني، فإن معدلات الذكاء تتراجع.

عادة ما يكون ذلك الجين مسؤولاً عن بناء جزء من مستقبِلات الناقل العصبي «دوبامين». لذا، فورود نسخة مكسورة أو متحولة يؤدي إلى اضطرابات عصبية وعضلية مختلفة.

ولكن، إذا تم تعديله في مناطق معزولة من الدماغ، مثل المخطط أو striatum، تكون التأثيرات أقل عمقاً، وتكون الوظائف ذات الصلة بالتخطيط والتحفيز في الدماغ محدودة بعض الشيء.

كما وجد الباحثون مزيداً من الأدلة على هذه الصلة المحتملة؛ إذ إن الأنسجة في هذه المنطقة من أدمغة الأفراد الذين لديهم DRD2 معدّل لم تكن تماماً بالكثافة نفسها لدى الأشخاص الذين لا يملكون هذا التعديل.

تغيير وحيد كفيل بتغيير مستوى الحياة إلى الأفضل.. أو الأسوأ

ورغم أن التغييرات موجودة، فإنه من المستحيل تحديد ما الذي تسبب فيها بالمقام الأول.

ولكن من المعروف أن الإجهاد في مرحلة الطفولة يؤثر على الإدراك في وقت لاحق. أما تحديد مقدار ما يفضي إليه ذلك الإجهاد من تغييرات عصبية، وكم سيكون ذلك على المستوى الجيني، فهو أمر معقّد.

ولكن، من الممكن القول إن أي تغيير -ولو كان وحيداً- على المستوى الجيني قد يؤدي بنا إما إلى حياة ثرية أو مريضة أو -في هذه الحالة- متفوقة فكرياً.

في المقابل، قد يكون للضغط القليل تأثيرات بعيدة المدى. وخلافاً للتأثيرات البيئية الأخرى، يمكن أن تنتقل التغيرات الوراثية ما فوق الجينية افتراضياً في الأنسجة الصحيحة إلى الأجيال القادمة.

حتى الفقر له علاقة بالتأثير على مستوى الذكاء

ووفقاً لما قاله المؤلف الأول للدراسة Jakob Kaminski أو جاكوب كامينسكي، لموقع Science Alert، فإن «النشاط الجيني المستحث بيئياً ينضم الآن إلى صفوف العوامل الأخرى المعروفة التي تؤثر على الأداء في اختبارات الذكاء، مثل الفقر والدستور الجيني».

إذ كشفت دراسة حديثة عملت عليها الأخضائية ألي والتون في جامعة University of Chicago Business School’s، أن الفقر قد يؤدي إلى تراجع معدل الذكاء بنحو 13 نقطة.

وأوضح كامينسكي أنه من خلال الدراسة تمكن من «ملاحظة كيفية ارتباط الفروق الفردية في نتائج اختبارات الذكاء بالتغيّرات فوق الجينية والاختلافات في نشاط الدماغ المتأثر بالبيئية».

والعديد من العلماء يشككون أصلاً في أهلية اختبارات الذكاء

ولطالما أثارت اختبارات الذكاء جدلاً علمياً، وذلك بفضل الأدوات المشكوك فيها، والتفسيرات غير المناسبة، ودورها في التشهير العنصري، الأمر الذي ترك أثراً سيئاً عندما يتعلق الأمر بالسؤال عما إذا كان ذكاء الإنسان موروثاً، أم مقولباً عن طريق التنشئة، أو نتيجة الجهد والاجتهاد.

ومن الواضح أنه موضوع معقد، ولكن مع تراكم الأدلة، يقترب العلماء شيئاً فشيئاً من تطوير صورة أوضح للطرق التي تعمل بها أدمغة البشر للتعلم وحل المشكلات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s