يصنعون من الصخور قِطعاً فنية، لكنها تقضي على حياتهم.. صقل الحجارة في الجزائر يحصد عشرات الأرواح بسبب داء السيليكوز

iStock-622075916-1300x500.jpg

على بُعد 520 كم شرق العاصمة تقع بلدية تكوت بأعالي جبال الأوراس المعروفة بمهنة صقل الحجارة في الجزائر . عبر شوارع المدينة الصغيرة تنتشر ورشات، صُفِّفت أمامها حجارة مصقولة بعناية ومن كل الأحجام، وفي الهواء انتشر الكثير من الغبار مع أصوات أزيز آلة صقل الحجارة المنتشرة في كل مكان.

لا يميز «تكوت» أي شيء عن أي بلدة أخرى بالجزائر لولا أنهااشتهرت بالأخبار الحزينة التي تقطع صمتها، فمن حين لآخر، يُعلَن عن سقوط ضحية أو ضحايا جدد لما يُعرف بداء السيليكوز ، الناجم عن ممارسة حِرفة صقل الحجارة في الجزائر ، والذي حصد حتى اليوم نحو 183 ضحية من ولايتي باتنة وبسكرة.

رغم بُعد البلدة عن عاصمة الولاية (باتنة) بنحو 90 كم، ووجودها في مرتفع جبلي، فإن الوصول إليها سهل بمجرد السؤال عنها، ليس فقط لأنها ببلدياتها الثلاث كانت معقل الثورة الجزائرية ومهد الولاية التاريخية الأولى؛ بل أيضاً لاحتضانها شباباً ارتبطت حياتهم بحرفة صقل الحجارة في الجزائر ، لجأوا إليها هرباً من شبح البطالة، ليصطدموا بالموت يطاردهم من بوابة «السيليكوز»، أو داء التكلُّس الرئوي.

المرض الذي حصد منذ اكتشافه مطلع عام 2000، ما يزيد على 130 من شباب البلدية وقراها المنتشرة بسفح جبل الشيليا الشاهق، على غرار شناورة وتاغيت وتكوت الدشرة وتادخت وزينون وعين البير، وحتى ببعض البلديات المجاورة مثل إينوغيسن.

البطالة وراءهم.. والسيليكوز أمامهم!

الحصيلة ثقيلة ومؤلمة، لكنها لا تخيف شباب البلدة، أو تُثني عزيمتهم عن امتهان «حرفة تأكل حياتهم»، كما يصفونها هنا في هذه البلدة الهادئة ذات الـ12 ألف نسمة؛ «بل العكس، الشباب هنا يقْبل على امتهانها؛ لأنه لا يملك بديلاً آخر، وأيضاً طمعاً في توفير دخل يُغنيه عن سؤال الآخرين، ويبعد عنه شبح البطالة»، كما يقول الشاب علي لـ»عربي بوست».

يشتغلون في ورشات صقل الحجارة من دون حماية/ خاص

وأضاف صديقه، الذي كان يغطي وجهه بخرقة قماش بالية، ويغالب بصوته أزيز آلة صقل الحجارة في الجزائر : «الدخل الذي يحصل عليه صاحب الحرفة مريح، حيث يتجاوز أحياناً 10 آلاف دينار، وهو ما يُنسيه، أحياناً -ولو مؤقتاً- متاعب الحرفة وأخطارها»، قبل أن يستطرد: «ماذا تريدنا أن نفعل؟ لا شيء هنا غير الحجارة!».

اللافت أن غالبية ممتهني هذه الحرفة شباب بعمر الزهور، ما إن يفتح عينيه على واقعه المُر ويجد نفسه خارج أسوار المدرسة، يندفع بقوة إلى الورشات المنتشرة بالبلدية؛ لامتهان الحرفة التي «تؤدي إلى القبر»، كما يقولون، يدفعهم إلى ذلك الفقر الذي يخيّم فيه شبح البطالة؛ لغياب مراكز التشغيل، بشكل تام.

وعدا نشاط الوحدة الصحية والصيدلية الوحيدة الذي زاد خاصة بعد انتشار وباء الكوليرا، لا نشاط هنا غير صقل الحجارة في الجزائر ! وحتى الوظائف الحكومية، ليس لها مكان بهذه البلدية إلا ببعض المدارس التربوية، على قلّتها، أو الإدارة ممثلة في البلدية أو الدائرة التي لا يتمكن منها إلا المحظوظون.

ويقول الشاب إبراهيم، من إحدى قرى بلدية إينوغيسن المجاورة، إن «البطالة هي الهاجس الوحيد الذي يدفع الشباب لامتهان هذه الحرفة، وحتى من يحاول الاستثمار بتوفير قليل من مناصب الشغل، فإنه سيكون في هذا الميدان أيضاً».

ويعلق على غياب فرص الاستثمار بالبلدية، قائلاً: «لا فرص تشغيل هنا، ولا استثمارات تمتص الشباب العاطل. وحتى عندما تقدَّم أحد الشباب بطلب للصندوق الوطني للتأمين على البطالة (جهاز حكومي يدعم استثمارات الشباب)، طلباً لدعمه في فتح ورشة للاستثمار في ميدان صقل الحجارة في الجزائر ، رُفض ملفه؛ بداعي أنه استثمار يجلب الموت لأبناء المنطقة»، «وفي النهاية عشرات دفعوا حياتهم ثمناً لهذا الخطر الذي لا يزال يحدق بنا»، يضيف المتحدث.

950 حِرفياً في صقل الحجارة في الجزائر.. ومهارات تنتشر في كل مكان!

البطالة هي التي تدفع الشباب لامتهان هذه الحرفة/ خاص

وفضلاً عن البطالة والدخل المغري، فإن توفر البلدية على مقالع للحجارة وصخور ضخمة دفع شبابها الى امتهان الحرفة الوحيدة، مستعينين بآلات خاصة، وصقلها بما يناسب أذواق أصحاب المنازل الفخمة والفيلات، بأغلب مدن الجزائر، مقابل مبالغ مغرية بالنسبة لهؤلاء الشبان.

وتبرز منازل شُيِّدت ببعض مدن الجزائر، خصوصاً عاصمة الولاية باتنة وتيزي وزو والجزائر العاصمة وغيرها، أبدعتها أنامل شباب «تكوت»، على وجه التحديد، في صقل وتزيين الحجارة التي تزَّينت بها مداخلها وواجهاتها الرئيسة، أبرزت الإتقان الكبير الذي يوليه هؤلاء الشباب لحرفتهم، برغم أن ذلك كلفهم كثيراً من الوقت والجهد والصحة أيضاً.

وفي غياب إحصاءات رسمية، فإن ما يتردد هنا أن بلدية تكوت تحصي وحدها ما يزيد على 950  شاباً لا يزالون يمتهنون صقل الحجارة بالبلدية ومحيطها. كما أن معظمهم ينتشرون في أغلب الولايات الكبرى بالجزائر، يستعرضون مهاراتهم، لكن من دون تأمين صحي يضمن لهم معاشاً مريحاً.

130 ضحية في تكوت.. والناجون يستغيثون

في أواخر التسعينات ذاع صيت شباب تكوت مع صقل الحجارة، وأصبحوا مطلوبين من قبل أثرياء الولاية (باتنة) وحتى من خارجها، طمعاً في موهبتهم في صقل وتزيين الحجارة لإعدادها ديكورات جميلة لمنازلهم، لكنهم لم يكونوا يعلمون أنهم سيتحولون إلى ضحايا لحرفتهم القاتلة.

فقد تعرَّض في وقت قصير، (في سنتين أو ثلاث فقط) كثير منهم لأعراض داء «السيليكوز»، ومن ثم الموت الذي أودى بالعشرات منهم، فيما نجا قليل منه بعد أن ابتعدوا عنها، لكن من دون أن يفلتوا من آثاره. يقول لـ «عربي بوست» وهاب يزة أحد المتضررين من ممارسة صقل الحجارة بتكوت، قبل أن يتخلى عنها.

ففي 2007 بعد أن اكتشف فجأة أنه أوشك أن يكون «مشروع» ضحية جديد للداء بعد نحو 10 سنوات من الصراع مع الحجارة وغبارها الذي كان يتسرب خفية إلى رئتيه وكاد يدمرهما، كما فعل بغيره، دون أن يدري كما يقول.

وبمرارة وغصة كبيرتين، يواصل حديثه عن تجربته مع صقل الحجارة وداء «السيليكوز»، فقد بدأ ممارسة الحرفة في عام 1996 وعمره دون 17 عاماً، مدفوعاً برغبته في الاعتماد على نفسه لتوفير قوت يومه، وهرباً من شبح البطالة كأي شاب آخر يجد نفسه فجأة يواجه واقعاً مراً بعد خروجه من المدرسة.

وهاب يزة أحد المتضررين من ممارسة صقل الحجارة بتكوت/ خاص

كان من بين القلائل جداً الذين مارسوا المهنة خلال تلك الفترة قبل أن تنتشر ويذيع صيتها في كل البلاد، لينضم إليه لاحقاً كثير من شباب البلدية، وحتى أساتذة جامعيون تركوا التدريس بالجامعة وانضموا لممارستها؛ طمعاً في الدخل المغري الذي يتعدَّى أحياناً 15 ألف دينار (150 دولاراً) في اليوم.

كان الحماس يغمره وهو ينهي يومه أو أسبوعه بدخل مريح، وأصبح مطلوباً لدى الباحثين عن الحجارة المصقولة، أو الورشات المتخصصة، وكان لا يجد أي غضاضة في التنقل إلى ولايات بعيدة على غرار ولاية تيزي وزو (500 كلم شمالاً)، حيث تتوفر جبالها على حجارة ذات جودة عالية.

في 2007 بدأ يشعر بالوهن والإعياء، وبدأت أعراض الداء تهاجمه في كل أنحاء جسمه. هزال وضيق في التنفس وعدم القدرة على المشي، ما اضطره لملازمة بيته، وكان خلال تلك الفترة يتنقل من طبيب لآخر، ويستعين أحياناً بأجهزة التنفس الاصطناعية، قبل أن يتخلَّى عنها ويلجأ للأعشاب البديلة.

تحسَّنت حالته الصحية بعض الشيء، قبل أن يطلِّق الحرفة نهائياً في 2014، عندما التحق بوظيفة حكومية أنسته بعض الشيء متاعب الأيام الصعبة كما يقول، لكنه مع ذلك ما زال يخضع للرقابة الصحية دورياً.

ويشير وهاب، بمرارة، إلى أن ممتهني صقل الحجارة في بداية عملهم لم يكونوا يستعملون الماء في قطع وصقل الحجارة، كما لم يكونوا يعتمدون على أجهزة وقاية تقيهم من الغبار الذي كان يتصاعد بشكل يحجب عنهم أحياناً الرؤية، لكنه كان يتسرب شيئاً فشيئاً إلى جهازهم التنفسي، ما يتسبَّب في ظهور أعراض الداء في أقل من سنتين أو ثلاث في أحسن الأحوال، على حد تعبيره.

مريض منذ 11 سنة.. وأعجز عن توفير ثمن محفظة!

حالة يزة تشبه حالات أخرى بهذه البلدية التي اضطر بعضها للتخلي عن صقل الحجارة، لكن أعراض الداء لا تزال تنهش أجسامهم، لكن من دون أن يعثروا على بديل يضمن لهم قوت أبنائهم، كما هي حال عبدالحميد بنشوري، الذي تحدث بمرارة للتلفزيون الحكومي، عن وضعه الاجتماعي بعد توقفه عن ممارسة الحرفة: «يأتيني أطفالي يطلبون مني أن أقتني لهم محفظة أو لباساً بمناسبة العيد، لكني أعجز عن الرد لأنني أعجز عن توفير ثمن المحفظة أو لباس العيد. ما يؤلمني أنني لم أعد أوفر حاجيات أسرتي، وأنتظر فقط مساعدات المحسنين».

ومن أجل التوعية بخطورة الداء ورفع معاناة المصابين به، تأسست جمعية «هنفسة» (كلمة محلية تعني التنفس) تطالب السلطات المختصة بالتكفل الجدي بهذه التي تعاني في صمت، كما تقول رئيستها حدة الهاشمي، وهي أرملة لأحد ضحايا حرفة صقل الحجارة في الجزائر  وأم لـثلاثة أيتام.

وحسب وهاب يزة الذي تحوَّل إلى مناضل بالجمعية للتوعية بخطر الحرفة، فإن الجمعية تحصي اليوم حوالي 130 ضحية لداء «السيليكوز» ببلدية تكوت وحدها، وحوالي 183 بولايتي باتنة وبسكرة المتجاورتين. و»الله أعلم ما سيكون غداً» يضيف بحسرة.

نريد موتاً كريماً لضحايا السيليكوز!

مشاهد صادمة كهذه أو لتلك الصور التي تنعى شباب البلدة في كل مرة، حتى باتت مقبرة «تادخت» بالبلدية تعج بضحايا «السيليكوز»، دفعت مواطني البلدية ونشطاء جمعويين، منذ سنوات، إلى إطلاق حملات توعوية في كل مكان، تطالب شبابها بالتوقف الفوري عن امتهان «مهنة الموت» والتوجه بدلها لحرف أخرى ولو في مدن بعيدة.

كما أن كثيرين منهم أطلقوا حملات لمطالبة السلطات بتوفير مستشفى «يموت فيه مرضى «السيليكوز» وينهي عنهم متاعب التنقل إلى مدن أريس أو باتنة للعلاج»، كما قال أحد النشطاء من بلدية غسيرة المجاورة، قبل أن يضيف: «نريد موتاً كريماً لأبناء تكوت».

واستجابت السلطات مؤخراً، وبعد طول انتظار، لفتح مشفى يضمن العلاج للضحايا صقل الحجارة في الجزائر ، ويُنهي عنهم عناء التنقل للمدن المجاورة للعلاج، لكن عندما سألت يزة عن المستشفى، اكتفى بالقول إنهم لم يفعلوا سوى فتح وحدة الاستعجالات فقط!

مقبرة تادخت بالبلدية تعج بضحايا السيليكوز / خاص

كما انضم بعض فناني المنطقة التي تشتهر بلغتها الأمازيغية الشاوية، إلى إطلاق أغانٍ حزينة تحث شباب المدينة على التخلي عن المهنة التي أوجعت، كما تقول، قلوبَ الكثير من الأمهات، ورمّلت العشرات من النساء، ويتَّمت أطفالهم.

هشام بومعراف أحد هؤلاء الفنانين الذي قدَّم أغنية أمازيغية حزينة تضامناً مع ضحايا «السيليكوز»، دعا فيها شباب المنطقة  للتفكير في حياتهم، وفي والدة كل منهم التي تبكي عليه بحرقة قبل الإقدام على مهنة الموت. يقول فيها:

«بني أرجوك افتح عينيك.

أمك تبكي بحرقة، صابرة ومحتسبة.

بني أرجوك افتح عينيك.

تكوت تبكي بحرقة، صابرة ومحتسبة.

أصبحت عيني سيلاً من الدموع من فرط بكائي عليك.

تلبدت سمائي بسحب الحزن، فاليوم مات فلذة كبدي.

يا حسرتاه عليك يا ولدي».

والمفارقة أن أحد الفنانين الذين غنّوا كثيراً تضامناً مع ضحايا السيليكوز  بـ»تكوت»، وهو الفنان الأمازيغي صالح لونيسي، ذهب بدوره ضحية للداء، في 8 مايو/أيار 2013، عن عمر لم يتعد 34 سنة، ليكون حينها الضحية رقم 100 في مسلسل ضحايا «السيليكوز» الذي يواصل حصد ضحايا في عمر الزهور.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s