صالح الإسكافي.. درس إنساني بمواجهة قسوة الحياة بتونس

تتّقد روحه شبابا رغم كبر سنه وإعاقته، فعندما تراه تخال أنه عاجز عن فعل أي شيء، ولكن العجز لم يجد إلى ذاته طريقا ولم يرضخ صالح الإسكافي (مصلح الأحذية) المقعد لضيق الحال وقساوة وآلام الفقر، بل حولهم إلى حافز للتحدي والنجاح.

يعكف صالح بوعبيدي، الإسكافي الخمسيني الذي يحمل إعاقة عضوية، في محله الضيق بمحافظة مدنين جنوبي تونس، وسط أدوات إصلاح الأحذية لساعات، يصلح أحذية من يعرفون طعم السير على القدمين، ولا يدركون قيمة النعيم الذي هم فيه والذي لم يعرفه صالح يوما.

ولد بإعاقة ألزمته المشي على يديه، ترعرع في عائلة متواضعة متكونة من 8 أفراد تقطن في قرية جبلية نائية غابت فيها المرافق، ووسيلة النقل الوحيدة المتوفرة هي عربة نقل بالية يسميها أهل القرية “الدرويشة” تهكما فهي أشبه بنعش متحرك يحمل أحياء.

بوعبيدي يعبر الطريق للوصول إلى عمله وسط زحام المارة والسيارات

خرج صالح من رميم المكان والزمان بين جبلين خلف مدينة بني خداش خروج الوردة من أكمتها. كسر صلابة الواقع وخرج بشبه معجزة تذكرنا بخروج ناقة نبي الله صالح من الصخر ليثبت للمجتمع أن الإنسان أقوى من عاهاته وآلامه متى صحّ منه العزم.

يقدر عدد ذوي الإعاقة بـ 241 ألف معوق، 46% منهم إعاقتهم عضوية، وقد بلغت نسبة البطالة في صفوف هؤلاء 60% رغم أن القانون ينص على تخصيص نسبة لا تقل عن 1% من الوظائف في القطاع العمومي لذوي الاحتياجات الخاصة.

كل من يعرف بوعبيدي يشهد له بالصبر ومكابدة المشاق، خاصة عندما يشق طريقه من منزله الكامن خلف الجبل إلى وسط المدينة في الصباح الباكر، متجها لمحله، وهذا دأبه منذ عشرات السنين قبل رحيله إلى وسط المحافظة بغية الكسب الأفضل.

يعيل بوعبيدي أسرة بأكملها، حمل مسؤوليتها على عاتقه، فمنذ الأزل ارتبط اسمه بالصبر والعزيمة، وما ذاك بغريب على رجل يصلح كل يوم في محله أحذية الناس المهترئة، ويصلح نفوسا تسرب اليأس إليها، يرمم ما اهترأ من معنوياتها ويشحنها بالأمل.

شحنة أمل
تلقاه كل يوم والضحكة تعلو محياه لا تفارقه يقول “وحدنا القادرون على هزم آلامنا إن كنّا نريد ذلك، من يريد يستطيع وما العجز إلا وهم يسكن في خيال العاجزين، وأنا لا أعتبر إعاقتي تبريرا لعجزي بل على العكس منها أستمد القوة والعزم”.

لم يعرف طعم الوقوف أو السير على القدمين، فهو مقعد يجثو على قدمين ملتويتين إلى الخلف مستعينا بيديه في السير. يداه الحافيتان تصلحان أحذية أرجل الأصحاء بإتقان وحرفية عالية.

يقول لسعد ابن قريته “إننا لم نخطئ بتسميته بالمعجزة فهو فعلا درس نتعلم منه فضلا عن أخلاقه العالية ووجهه البشوش الذي يبعث الأمل” ويؤكد هذا حريف الذي أتى من الحي المجاور قائلا “سمعت عن الرجل الكثير فأردت المجيء واكتشاف عمله”.

بصدد ترتيب الأحذية

انتقل بوعبيدي للعمل وسط المحافظة مؤخرا بغية توفير مبلغ أكبر من الذي يوفره في قريته، والذي لم يعد يسد حاجيات أسرته. ينطلق من منزله الذي يبعد كيلومترات عن مقر عمله كل صباح يقطع الشوارع والحارات الضيقة وهو في وضعية “القرفصاء”.

يجثو على الرصيف وسط زحام المارة الذين تعودوا على رؤيته يوميا، يلقي التحية على الجميع بابتسامة نصر، ويواصل طريقه غير آبه بنظرات من لا يعرفه، يتوقف عند وجود أذى وسط الطريق كقطعة زجاج أو حجر فيزيحه عن مساره ويواصل طريقه.

يصل إلى مفترق طرق، يفكر قليلا في طريقة اجتيازه ثم يعتذر لسائقي السيارات بابتسامته المعهودة ويعبر الطريق ثم يلتفت إليهم وكأنه يشكرهم ويعتذر على تعطيل سيرهم.

بانتظار الإنصاف
بوعبيدي وغيره الكثيرون من ذوي الإعاقة ينتظرون تطبيق القانون المتعلق بتشغيلهم، على غرار مالك الدبوني الجامعي الذي أثار جدلا إعلاميا واسعا الصيف الماضي إثر دخوله في إضراب عن الطعام أمام وزارة التشغيل.

أعاد إثارة تشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة إلى الواجهة مما دفع الحكومة لاتخاذ جملة من الإجراءات تخص هؤلاء، حيث صدر أمر حكومي في يناير/كانون الثاني الماضي يتعلق بضبط معايير وشروط رعاية ذوي الإعاقة، كما تم تخصيص امتيازات للمؤسسات الخاصة عند انتدابها لذوي الإعاقة.

يعبر الطريق مستعينا بيديه في المشي
يلقي نظرة على محله قبل مغادرته 

المصدر : الجزيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s